فخر الدين الرازي
148
تفسير الرازي
أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق ، فوجب أن يفيد الاستغراق ، أما أنه يؤكد فلقوله تعالى : * ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) * ( ص : 73 ) وأما أنه بعد التأكيد يقتضي الاستغراق ، فبالاجماع ، وأما أنه متى كان كذلك وجب كون المؤكد في أصله للاستغراق لأن هذه الألفاظ مسماة بالتأكيد إجماعاً ، والتأكيد هو تقوية الحكم الذي كان ثابتاً في الأصل ، فلو لم يكن الاستغراق حاصلاً في الأصل ، وإنما حصل بهذه الألفاظ ابتداء لم يكن تأثير هذه الألفاظ في تقوية الحكم ، بل في إعطاء حكم جديد ، وكانت مبينة للمجمل لا مؤكدة ، وحيث أجمعوا على أنها مؤكدة علمنا أن اقتضاء الاستغراق كان حاصلاً في الأصل . وثالثها : أن الألف واللام إذا دخلا في الاسم صار الاسم معرفة ، كذا نقل عن أهل اللغة فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة ، وإنما تحصل المعرفة عند إطلاقه بصرفه إلى الكل ، لأنه معلوم للمخاطب ، وأما صرفه إلى ما دون الكل فإنه لا يفيد المعرفة ، لأنه ليس بعض الجمع أولى من بعض ، فكان يبقى مجهولاً . فإن قلت : إذا أفاد جمعاً مخصوصاً من ذلك الجنس فقد أفاد تعريف ذلك الجنس ، قلت : هذه الفائدة كانت حاصلة بدون الألف واللام ، لأنه لو قال : رأيت رجالاً ، أفاد تعريف ذلك الجنس وتميزه عن غيره ، فدل على أن للألف واللام فائدة زائدة وما هي إلا الاستغراق . ورابعها : أنه يصح استثناء أي واحد كان منه وذلك يفيد العموم . وخامسها : الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق المنكر ، لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف ولا ينعكس فإنه يجوز أن يقال : رأيت رجالاً من الرجال ، ولا يقال رأيت الرجال من رجال ، ومعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع ، إذا ثبت هذا ، فنقول : إن المفهوم من الجمع المعرف ، إما الكل أو ما دونه ، والثاني : باطل لأنه ما من عدد دون الكل إلا ويصح انتزاعه من الجمع المعرف ، وقد علمت أن المنتزع منه أكثر فوجب أن يكون الجمع المعرف مفيداً للكل والله أعلم . أما على طريقة أبي هاشم ، وهي أن الجمع المعرف لا يفيد العموم فيمكن التمسك بالآية من وجهين آخرين . الأول : أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فقوله : * ( وإن الفجار لفي جحيم ) * يقتضي أن الفجور هي العلة ، وإذا ثبت ذلك لزم عموم الحكم لعموم علته وهو المطلوب ، وفي هذا الباب طريقة ثالثة يذكرها النحويون وهي أن اللام في قوله : * ( وإن الفجار ) * ليست لام تعريف ، بل هي بمعنى الذي ، ويدل عليه وجهان . أحدهما : أنها تجاب بالفاء كقوله تعالى : * ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) * ( المائدة : 38 ) ، وكما تقول الذي يلقاني فله درهم . الثاني : أنه يصح عطف الفعل على الشيء الذي دخلت هذه اللام عليه قال تعالى : * ( إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً ) * ( الحديد : 18 ) فلولا أن قوله : * ( إن المصدقين ) * بمعنى : إن الذين أصدقوا لما صح أن يعطف عليه قوله : * ( وأقرضوا الله ) * وإذا ثبت ذلك كان قوله : * ( وإن الفجار لفي جحيم ) * معناه : إن الذين فجروا فهم في الجحيم ، وذلك يفيد العموم . الآية الثانية في هذا الباب : قوله تعالى : * ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ، ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ) * ( مريم : 85 ، 86 ) ولفظ المجرمين صيغة جمع معرفة بالألف واللام